محمد بن سلام الجمحي

595

طبقات فحول الشعراء

حتى إذا عصبت الأفواه ، وذبلت الشّفاه ، وشالت المياه ، وأذكت الجوزاء المعزاء ، وذاب الصّيهد ، وصرّ الجندب ، وضاف العصفور الضّبّ في جحره - أو قال في وجاره " 1 " - قال قائلنا : يا أيّها الرّكب ! غوّروا بنا في ضوج هذا الوادي . " 2 " وإذا واد قديديمتنا كثير الدّغل ، دائم الغلل ، شجراؤه مغنّة ، وأطياره مرنّة ، فحططنا رواحلنا في أصول دوحات كنهبلات ، فأصبنا من فضلات المزاود وأتبعناها الماء البارد . " 3 "

--> - وقذفتهم من بلد إلى بلد . والمهارى جمع مهرية : وهي إبل عتاق منسوبة إلى مهرة بن حيدان ، قبيلة من اليمن . والأكساء جمع كسء : وهو مؤخر كل شئ يقول : تمضى بنا مسرعة متتابعة يتوالى بعضها في أدبار بعض . ( 1 ) اخروط به السير : امتد وطال . حمارة القيظ : شدته كأنه حمى حتى احمر . عصب الفم : يبس ريقه وجف من عطش أو خوف حتى لصق بعضه ببعض . ذبلت : الشفاه : جفت من الحر . شالت المياه : قلت ونشفت . أذكى النار : أوقدها والقى فيها ما يسعرها . والجوزاء : نجم معروف ، وهو من بروج الشمس ، وهو آخر بروج الربيع ، وهو من زمن القيظ ، فإذا انتقلت منه وحلت بأول السرطان كان ذلك منتهى صعودها في القيظ . والمعزاء : الأرض الحزنة الغليظة الكثيرة الحصى . يقول : توقد الحصى من وقدة الشمس . ذابت الشمس : اشتد حرها ، كأنهم نظروا إلى لعابها يسيل ، فقالوا ذابت . والصيهد : شدة الحر . وفي المخطوطة : " الصهبد " ، وهو خطأ . وصر الجندب يصر صريرا : صوت بصوت ممتد حديد . والجندب : صغار الجراد أو ضرب منه ، وهو إذا رمض في شدة الحر لم يقر على الأرض وحرك رجليه وجناحيه فتسمع له صريرا ، فمن ذلك قالوا في المثل : صر الجندب ، ضربوه مثلا للأمر يشتد حتى يقلق صاحبه . وضاف الرجل : نزل ضيفا عليه . والوجار : الجحر . ( 2 ) غور القوم : إذا نزلوا للقيلولة نصف النهار ، والغائرة : القائلة . يقال : " غوروا بنا فقد أرمضتمونا " : أي انزلوا وقت الهاجرة حتى تبرد . ومنه التغوير : وهو النومة القليلة عند الفائلة . وضوج الوادي : هو منعرجه حيث ينعطف إذا انتهى من بين جبلين متضايقين ثم اتسع . ( 3 ) قديديمتنا : قدامنا وأمامنا ، منصوب على الظرفية . والدغل : الشجر الكثير الملتف المشتبك . والغلل : الماء الذي يتغلل الأشجار فيسيل ظاهرا على وجه الأرض ظهورا قليلا ، وليس له جرية ، فيخفى مرة ويظهر مرة . الشجراء . الأشجار المتكاثفة ، وهو اسم مفرد يراد به الجمع . أغن الوادي فهو مغن : إذا أخصب وأعشب ، فكثر ذبابه ، فسمعت لطيرانه بين العشب والشجر غنة ، وهو الصوت المعروف ، أرنت الطير : غنت أو بكت ، من الرنة : وهي صوت في فرح أو حزن . وفي -